المسعودي
58
مروج الذهب ومعادن الجوهر
شأنها ، فلما كان يوماً من الأيام استجلسني وأمَرَها أن تخرج إلى الستارة ، فلما سمعت غناءها عرفتها ، وكرهت أني أعلمه أني قد عرفتها ، حتى ظهر في ما كتمت ، وغلب عليَّ صبري ، فقال : ما لك يا سعيد ؟ قلت : خيراً أيها الأمير ، قال : فاقتَرَحَ عليها صوتاً كنت قد أعلمته أني سمعته منها ، وأني استحسنته من غنائها ، فغنته فقال : أتعرف هذا الصوت ؟ قلت : إي والله أيها الأمير ، وكنت أطمع في صاحبته ، فأما الآن فقد أيست منها ، وكنت كالقاتل نفسه بيده ، وكالجالب الحَتفَ إلى حياته ، فقال : والله يا سعيد ما اشتريتها إلا لك ، ويعلم الله أني ما رأيت لها وجهاً إلا ساعةَ دخلت عليها ، وقد استراحت من ألم السفر ، وخرجت من شحوبة التبذل ( 1 ) ، فهي لك ، فدعوت له بما أمكنني من الدعاء ، وشكره عني من حضره من الجلساء ، وأمر بها فهيئت وحملت إليَّ ، فردت إلي حياتي بعد ، أن أشرفت على الهلكة ، ولا أحد عندي أحظى منها ولا ولد أحب إلي من ولدها . شهادة الحمير : ومن ملاحات أحاديث الملهين المجان ما ذكره أبو الفضل بن أبي طاهر قال : حدثني أحمد بن الحارث الجزار ، عن أبي الحسن المدائني وأبي علي الحرمازي ، قالا : كان بمكة سفيه يجمع بين الرجال والنساء على أفحش الريب ، وكان من أشراف قريش ، ولم يذكر اسمه ، فشكا أهل مكة ذلك إلى الوالي ، فغَربه إلى عرفات ، فاتخذها منزلًا ، ودخل إلى مكة مستتراً ، فلقي بها حرفاءه من الرجال والنساء فقال : وما يمنعكم مني ؟ فقالوا : وأين بك وأنت بعرفات ؟ فقال : حمار بدرهمين وصرتم إلى الأمن والنزهة والخلوة واللذة ، قالوا : نشهد إنك لَصادق ، فكانوا يأتونه ، فكثر ذلك حتى أفسد على أهل مكة أحْدَاثَهم وحواشيهم ، فعادوا بالشكية إلى أميرهم ، فأرسل إليه ، فأتي به ، فقال : أي عَدُوَّ الله ، طردتك من حرم الله فصرت إلى المشعر الأعظم تفسد فيه وتجمع بين الخبائث ، فقال : أصلح
--> ( 1 ) في نسخة : صعوبة التبذل .